القدس المحتلة – موقع المواصي الإخباري:

مع دخول الخارطة السياسية داخل دولة الاحتلال مرحلة حاسمة، وبدء العد التنازلي الفعلي مع بقاء 120 يوماً فقط على انطلاق انتخابات الكنيست الإسرائيلي، تشهد الحلبة الحزبية هناك حالة من الغليان والانهيارات الدراماتيكية غير المسبوقة. وفي مفاجأة مدوية حطمت الحسابات التقليدية للائتلاف الحاكم، كشفت أحدث مسوحات استطلاعات الرأي شبه الرسمية الصادرة عن كبرى وسائل الإعلام العبرية مثل “معاريف” و”قناة 12″ و”صوت إسرائيل”، عن قفزة قياسية وتاريخية لأسهم معسكر المعارضة والكتل المناهضة لرئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو. وتؤكد البيانات الإحصائية الجديدة أن قوى المعارضة باتت تلامس حاجزاً استراتيجياً متقدماً يتراوح ما بين 67 إلى 70 مقعداً في الكنيست القادم المؤلف من 120 مقعداً، وهو ما يمنحها للمرة الأولى أريحية مطلقة وبأغلبية مريحة لتشكيل حكومة بديلة قادرة على إقصاء اليمين المتطرف، دون الحاجة للوقوع تحت رحمة التحالفات المعقدة أو الابتزاز السياسي الذي مارسته الأحزاب الدينية والقومية المتشددة على مدار السنوات الماضية.

في المقابل، استقبلت أروقة حزب “الليكود” الحاكم هذه المؤشرات كزلزال سياسي حقيقي؛ إذ سجلت الإحصاءات تراجعاً حاداً وهبوطاً هو الأدنى لشعبية الحزب وحلفائه منذ عدة سنوات، مهدداً بفقدان الائتلاف الحالي لقدرته على المنافسة أو عرقلة تشكيل الحكومة القادمة. وأجمع خبراء ومحللون سياسيون في تصريحات خاصة لموقع “المواصي الإخباري”، على أن هذا التآكل السريع والانهيار في جدار الدعم الشعبي لنتنياهو يعود بصفة أساسية إلى سببين محوريين وجوهريين صاغا شكل السخط العام لدى الشارع الإسرائيلي والمستوطنين:

السبب الأول، يتعلق بفاتورة الحروب المستنزفة والمتواصلة على جبهات متعددة؛ حيث يعيش الشارع حالة من الإحباط الشديد جراء غياب أي أفق سياسي أو عسكري واضح لتحقيق “الحسم الكامل”، وتصاعد الخسائر البشرية والاقتصادية الفادحة، بالإضافة إلى اتساع رقعة الأزمات المعيشية وتأثر قطاعات الإنتاج والبورصة سلباً، ناهيك عن ملف الجنود والاحتياط الذي بات يشكل عبئاً اجتماعياً ونفسياً ثقيلاً على العائلات الإسرائيلية وسط إحساس عام بالاستنزاف دون أهداف استراتيجية ملموسة تحمي أمنهم أو تعيد الاستقرار المفقود.

أما السبب الثاني، وهو لا يقل خطورة، فيتمثل في ملف “التلاعب القضائي” المستمر؛ حيث عادت محاولات الالتفاف على سلطة المحكمة العليا وتقويض جهاز القضاء إلى الواجهة مجدداً كأجندة موازية للحرب. وينظر قطاع واسع من الشارع والمنظومة القانونية إلى هذه التحركات باعتبارها مساعٍ شخصية بحتة ومناورات قانونية يقودها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لحماية نفسه من الملاحقات القضائية المستمرة في ملفات الفساد والرشوة وخيانة الأمانة التي تلاحقه بالمحاكم؛ هذا الإصرار على تقديم المصالح الذاتية على حساب استقرار مؤسسات الدولة وتعميق الاستقطاب الداخلي الحاد، دفع بشريحة عريضة من الناخبين التقليديين من وسط اليمين واليمين الليبرالي إلى الهجرة الجماعية نحو أحزاب المعارضة، رغبة في إنهاء حالة التمزق المجتمعي والسياسي.

ومع انطلاق جرس الإنذار وبدء المئة وعشرين يوماً الأخيرة التي توصف بمرحلة “كسر العظم”، يرى مراقبون أن الليكود بات يقف في أضعف حالاته التاريخية مع خسارته المتتالية للأوراق التي طالما وظفها لضمان البقاء؛ ووفقاً للتقديرات المقروءة، فإن معسكر المعارضة الممتد عبر تحالفات جديدة يضم قادة عسكريين سابقين وشخصيات من الوسط، استثمر بذكاء في أزمة الثقة العميقة بين الجمهور والحكومة. وتكشف المعطيات أن الأيام القادمة ستشهد محاولات مستميتة من نتنياهو لافتعال أزمات أمنية جديدة أو تصعيد عسكري خاطف في محاولة يائسة لخلط الأوراق وتوجيه دفة اهتمام الناخبين نحو المربع الأمني لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، إلا أن التآكل المنهجي لكتلته التصويتية يثبت أن الشارع بات يبحث عن معادلة جديدة لإنهاء حقبة “ملك إسرائيل” كما يلقبه أنصاره، والعبور نحو مرحلة سياسية مختلفة تماماً تعيد صياغة المشهد الداخلي والدولي لدولة الاحتلال.