بقلم : نجيا محمود

تجربتي مع الحمام بنزوحي.. يتحدث العالم عن حقوق الإنسان وأول ما يخطر ببالي عن هذه الإنسانية المزعومة هو الحمام، في نزوحنا الأول .. كان الحمام يبعد 30 متراً في العراء بلا سقف لـ 13 عائلة، كنت أمارس الانتحار البطيء وأمتنع عن الشرب كي لا أقف عارية أمام سماء تمطر صواريخ وعيون حتى كادت الكلى تتفجر، أما الليل فكان حكاية انكسار أخرى، حيث تحول الجردل في زاوية الخيمة إلى حل وحيد لأمي وأبي ووقار
شيبهما المصاب بالسكري، رائحة الخنق التي تلتصق بالثياب وتذكرنا كل ليلة أننا مجرد أرقام في طابور إبادة ، أما عن طريقة الاستحمام فكانت معاناة خصوصاً وقد حل الصيف، كنت أعلن حالة الطوارئ.. أخرج ما بالخيمة.. الأرضية تحديداً وأحضر جردل ماء بارد وقت أزمة مواد التنظيف، استحم بالماء البارد فقط وأمي تحرسني على الباب، وعند الانتهاء كأنني لم أفعل شيئاً فطين الخيمة تحول إلى مستنقع، وعملية إرجاع الخيمة لحالها الأول تضعني في وضع يستحق حماماً مرة أخرى.
وفي النزوح الثاني .. ترقينا إلى حفرة طين لثلاث عوائل تحت لوح زينقو وستائر من الحرامات البالية، في الشتاء يمتزج المطر بالنجاسة وتفوح رائحة الموت من الأرض، ومع كل قصف كنت أركض للخارج خوفاً من أن أُدفن حية وسط القذارة، إلا أنني كنت براحة أكبر وقتها لأنني كنت مع عائلتي فقط دون عوائل أخرى غريبة.

وفي النزوح الثالث إلى رفح .. كان الحمام بجانب حائط حقيقي، مجرد حائط لكنه كان يمثل لنا رفاهية.

أما الآن في نزوحنا الأخير:فنعيش قمة الترف بكرسي أبيض خلف شادر وعلب بريل بدلاً من الشطاف، هو نعمة حقيقية لأننا ننقل جردل مياه قريبة للتنظيف بعد كل استخدام فالمياه متوفرة الحمدلله، لكن المشكلة تظل ليلاً .. حيث البرد ينهش العظام والكلاب الضالة تترصدنا من خلف القماش والطيران مازال يحدد إحداثيات عورتنا من الأعلى، أتساءل هل يصورنا الآن؟ هل يرى العالم كيف أصبحت سترة الإنسان في بلادي معجزة تستحق الحمد؟
لو لم أكتب عن حياتي، فستكون عن حياة حقيقية حولي، لو لم يكن ألمي، فسيكون ألم نازحين مثلي، كل ما يخطر ببالكم من الآلام، ستجدون أشباهها وأعظم عندنا .. تشير الإحصائيات إلى وجود حمّام واحد لكل 500 نازح في مراكز الإيواء، ووصول نسبة الأمراض الناتجة عن تلوث المياه وانعدام الخصوصية إلى مستويات مرعبة، مما يحوّل أبسط الحاجات الفسيولوجية إلى أداة للقتل في أكبر جريمة إبادة يشهدها العصر الحديث.