تعد العلاقة بين الحركات الوطنية وجماهيرها بمثابة الروح من الجسد، فكلما اقتربت القيادة من نبض الشارع ازدادت الحركة حيوية وقدرة على مواجهة التحديات، وكلما انغلقت الأطر التنظيمية على نفسها، بدأت ملامح الاغتراب والتراجع بالظهور. واليوم، يتصدر عنوان “الشرعية من الشارع” المشهد السياسي الفلسطيني مع التحضيرات الجارية للمؤتمر الثامن لحركة فتح، حيث بات اسم المناضل والناشط أمين عابد يمثل الحالة الأكثر تأثيراً وجدلاً، لكونه يمتلك أكبر قاعدة شبابية فتحاوية قادرة على هز الحسابات التقليدية للمؤتمر وإعادة صياغة مفهوم التمثيل الحقيقي الذي يستند إلى العطاء لا إلى التعيين.
إن الجدل الدائر في الأوساط الشبابية والكوادر الميدانية يعكس أزمة عميقة في معايير اختيار عضوية المؤتمر، حيث تفاجأ الكثيرون بإدراج أسماء لم تُعرف يوماً بنضالها الميداني أو صلتها العضوية بالحركة، في حين يتم تغييب شخصيات وازنة مثل أمين عابد الذي حفر حضوره في وعي الجماهير عبر عشرين عاماً من العمل الدؤوب. عابد لم يصنع مكانته في مكاتب مغلقة، بل كان صوتاً مدافعاً عن السلطة الوطنية وحركة فتح في أحلك الظروف، ومؤسساً لمبادرات نوعية مثل “جيش الهبد الإلكتروني” الذي نجح في فضح رواية الاحتلال وكسب مناصرين عالميين للقضية، مما جعل من حضوره الشعبي “شرعية ميدانية” لا يمكن تجاوزها بقرارات إدارية جافة.
ما يزيد من ثقل هذه الحالة هو الثمن الباهظ الذي دفعه عابد مقابل انتمائه وثباته على مبادئه؛ فقد تعرض للاعتقال عشرات المرات لدى أجهزة الأمن في غزة، ورفض النزوح من مخيم جباليا خلال حرب الإبادة في عام 2024، مؤثراً البقاء وسط أهله حتى تعرض لمحاولة اغتيال آثمة من قبل أفراد ينتمون لحركة حماس، استهدفت تغييب صوته الذي طالما نادى بالوحدة والشرعية. واليوم، وبينما يتلقى العلاج في دولة الإمارات العربية المتحدة، يظل اسمه حاضراً كرمز للكوادر التي ضحت بكل شيء ولم تجد لها مكاناً في مؤتمر يُفترض أنه يمثل نضالاتهم، وهو ما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول جدوى المؤسسة إذا ما انفصلت عن أبطالها الحقيقيين في الميدان.
إن استبعاد كادر بوزن أمين عابد، وهو الأكاديمي الحاصل على درجة الماجستير في التاريخ والعلوم السياسية بأطروحة تناولت “الفكر السياسي لحركة فتح”، يشير إلى أن المتحكمين في مفاصل الحركة قد استبدلوا المعايير النضالية والعلمية بالمزاجية والمحسوبية. فكيف لشاب كرس علمه وجهده وصحته لخدمة الحركة، وأصبح يمتلك تأثيراً ملموساً على القواعد التنظيمية، أن يُحرم من حقه في المشاركة في صياغة مستقبل حركته؟ هذا التغييب لا يمس عابد كشخص، بل يمس آلاف الشباب الذين يرون فيه طموحاتهم، ويشعرون بأن استبعاده هو استبعاد لكل صوت حر يطالب بالتجديد والإصلاح داخل البيت الفتحاوي.
لقد نجح أمين عابد في بناء معادلة جديدة للشرعية؛ معادلة تقوم على التأثير الفعلي والقدرة على الحشد والاشتباك الفكري، وهي القوة التي تهز اليوم حسابات القائمين على المؤتمر الثامن. فالشباب الفلسطيني لم يعد يقبل بسياسة “الأوامر الفوقية” أو التمثيل الصوري، بل يتطلع إلى قيادة تشبهه في تضحياته وعلمه. إن الالتفاف الشعبي حول عابد هو رسالة واضحة بأن الشرعية الحقيقية لا تمنحها بطاقة عضوية مطبوعة، بل يمنحها الشارع الذي يراقب من ضحى ومن استفاد، ومن بقي في الخنادق ومن ظهر في الفنادق، وهذه الحقيقة هي التي تفرض نفسها الآن كعنوان للمرحلة القادمة.
إن أي حركة وطنية تسعى للبقاء والريادة يجب أن تدرك أن قوتها تكمن في تماسك قاعدتها وثقة شبابها، وتهميش الرموز المؤثرة مثل أمين عابد يؤدي بالضرورة إلى حالة من الاغتراب التنظيمي، حيث يجد المناضل نفسه غريباً في بيته الذي بناه بدمه وعرقه. إن المطالبة بإنصاف عابد وإعطائه حقه في التمثيل ليست مطلباً شخصياً، بل هي صرخة لإنقاذ الحركة من سيطرة “الأهواء الشخصية” التي تضعف البناء التنظيمي وتقتل روح المبادرة لدى الأجيال الشابة التي ترى في التهميش جزاءً لكل من يتميز أو يمتلك قاعدة شعبية مستقلة.
في الختام، يبقى الشارع الفلسطيني هو الحكم والفيصل، وهو المصدر الوحيد للشرعية التي لا تزول بزوال المناصب. والجدل الحالي حول المؤتمر الثامن هو فرصة تاريخية لحركة فتح لتصحيح المسار وإعادة الاعتبار للمناضلين الذين شكلوا سداً منيعاً في وجه المؤامرات. فإما أن تلتقط القيادة هذه الإشارة وتفتح الأبواب لأصحاب الكفاءة والتأثير مثل أمين عابد، وإما أن يستمر النزيف التنظيمي الذي لن يستفيد منه سوى خصوم القضية والاحتلال. إن “الشرعية من الشارع” هي الحقيقة التي لا يمكن القفز عنها، وهي وحدها الكفيلة بضمان استمرار الحركة كقائدة للمشروع الوطني الفلسطيني.