بينما تقف القضية الفلسطينية عند مفترق طرق تاريخي، يبرز المؤتمر العام القادم لحركة “فتح” كأحد أكثر المحطات حرجاً في مسيرتها الطويلة، ليس بوصفه إجراءً تنظيمياً روتينياً، بل كاختبار وجودي لحركة قادت المشروع الوطني لعقود. ففي ظل واقع مأساوي ومعقد، تواجه “فتح” تحدي استعادة دورها الطليعي وتجاوز حالة الانكفاء، وسط تساؤلات ملحة حول ما إذا كان المؤتمر سيشكل انطلاقة جديدة نحو التغيير، أم سيكتفي بإعادة إنتاج الواقع ذاته بوجوه جديدة وأدوات قديمة.
لقد عانت الحركة لسنوات من غياب الحسم السياسي، ووقعت في فخ “الالتباس” بين كونها حركة تحرر وطني وبين دورها كإدارة سياسية وسلطة محكومة بقيود الواقع؛ هذا التردد أنتج نوعاً من “الشلل التدريجي” الذي جعلها تبدو في موقع المدير للأزمة لا المواجه لها.
وتكمن الخشية الحقيقية اليوم في أن ينجح المؤتمر شكلياً ويخرج بخطاب مألوف وترتيبات محسومة، دون المساس بجوهر الأزمة أو ممارسة مساءلة حقيقية عن أداء المرحلة السابقة، مما يعني إضافة “طبقة من الأناقة” فوق عجز قديم.
إن العبور نحو المستقبل يتطلب من “فتح” اليوم جرأة في ثلاث مسارات أساسية: أولها استعادة وضوح المشروع السياسي وامتلاك أدوات واقعية لتفيذه بعيداً عن الشعارات التقليدية.
وثانيها فك الارتباط الهيكلي والذهني بين الحركة والسلطة، لتعود فتح كقوة مبادرة وطنية مستقلة
. وأخيراً، تحقيق تجديد حقيقي يرتكز على الكفاءة لا الولاء، ويفتح الباب للنقد والمساءلة الديمقراطية لإعادة بناء الجسور مع الشارع الفلسطيني الذي ينتظر من حركته الأم فعلاً يلامس واقعه لا خطاباً ينفصل عنه.
وفي المحصلة، فإن المؤتمر القادم هو لحظة حاسمة بين خيارين لا ثالث لهما: إما إعادة تأسيس حقيقية تعيد للحركة مكانتها كقائدة للنضال الوطني، أو تثبيت حالة العجز بشكل أكثر تنظيماً. ففي زمن “الإبادة” والتحولات الكبرى، لا تُقاس الحركات بما تقوله في بياناتها، بل بما تجرؤ على تغييره في بنيتها ومسارها، وما دون ذلك لن يكون سوى تأجيل لأزمة كبرى قادمة.