في تطور دراماتيكي يعيد رسم خارطة التوازنات السياسية في الشرق الأوسط، دخل اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل ولبنان حيز التنفيذ رسمياً عند منتصف ليل الخميس بتوقيت بيروت، لينهي مؤقتاً فصلاً من المواجهات العسكرية الدامية التي عصفت بالبلدين. ويأتي هذا التحول الكبير بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب نجاح جهود وسيطة قادتها واشنطن للتوصل إلى هدنة أولية تمتد لعشرة أيام، في خطوة وصفت بأنها جسر عبور نحو تسوية شاملة. وقد كشف ترامب عن كواليس هذا الاتفاق من خلال “محادثات ممتازة” أجراها بشكل مباشر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس اللبناني جوزاف عون، مشيراً إلى أنه لن يكتفي بهذا القدر بل يعتزم دعوة الزعيمين إلى البيت الأبيض لعقد جولة من المباحثات الجادة التي تهدف إلى وضع حد نهائي للنزاع المسلح وتأمين الحدود المشتركة بشكل مستدام.

ولضمان عدم انهيار هذا الاتفاق الهش، اتخذت الإدارة الأميركية خطوات تنفيذية سريعة بتوجيه من ترامب، حيث تم تكليف فريق رفيع المستوى يضم نائب الرئيس جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ورئيس هيئة الأركان المشتركة دان كين، للعمل على مدار الساعة مع الجانبين اللبناني والإسرائيلي لترجمة هذه الهدنة إلى واقع ملموس يحقق سلاماً دائماً. وتأتي هذه التطورات بعد موجة عنيفة من الصراع بدأت في الثاني من مارس الماضي، حين انجرف لبنان إلى مواجهة مباشرة مع إسرائيل إثر هجمات شنها حزب الله بدعم من إيران، مما دفع الجيش الإسرائيلي لشن حملة عسكرية واسعة النطاق لم تهدأ وتيرتها حتى لحظة سريان الاتفاق.

ويكتسب هذا الاتفاق أهمية خاصة كونه يأتي بعد 15 شهراً فقط من آخر مواجهة كبرى شهدتها المنطقة، مما يعكس رغبة دولية، تقودها واشنطن بقوة، في منع انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة. ومع بدء سريان الهدنة، تترقب الأوساط السياسية والعسكرية مدى التزام الأطراف على الأرض، خاصة في ظل التعقيدات الميدانية وتداخل المصالح الإقليمية. وتعتبر فترة العشرة أيام المقبلة بمثابة اختبار حقيقي للنوايا، حيث سيتضح ما إذا كانت الدبلوماسية الأميركية قادرة على تحويل هذا الهدوء المؤقت إلى استقرار طويل الأمد ينهي عقوداً من التوتر الحدودي المستمر.